الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
435
المنقذ من التقليد
شرع على إبراهيم عليه السلام ختانة المولود في اليوم الثامن من ميلاده » . فإذا أقرّوا بأنّه قد كان شرع قبل نزول التوراة قلنا لهم : ما تقولون في التوراة ؟ هل أتت بزيادة على تلك الشرائع أم لا ؟ فإن لم تأت بزيادة فقد صارت عبثا عندهم ، إذ لا زيادة فيها على ما تقدّم ولم يعن شيئا ، فلا يجوز أن تكون صادرة عن اللّه تعالى ، فيلزمهم انّ التوراة لا تكون من عند اللّه ، وذلك كفر على مذهبهم ، وإن كانت التوراة أتت بزيادة ، فهل في تلك الزيادة تحريم ما كان مباحا ، أم لا ؟ إن قالوا : ما أتت بتحريم ما كان مباحا من قبل . بطل قولهم بأنّ التوراة حرمت الأعمال الصناعيّة في يوم السبت بعد أن كان مباحا وهذا هو النسخ في المعنى . ومن تتبّع أحكامهم التي يتديّنون بها وجد أمثال ما ذكرناه كثيرا ممّا فيه النسخ . فأمّا من ادّعى أنّ الشرع منع من النسخ وإن لم يمنع العقل منه ، فانّه يحتجّ بما حكيناه عنهم من نقلهم عن موسى عليه السلام أنّه قال : تمسّكوا بالسبت أبدا فقال : تمسّكوا بالسبت عهدا لكم ولذريّتكم الدهر ، أو ما دامت السماوات والأرض ، قال : فلا يجوز أن يصدق من جاء بنسخ ذلك . والجواب عنه : أنّ ما نقلوه عن موسى عليه السلام غير معلوم ولا مسلّم ، لأنّ نقل التوراة التي في أيديهم ونقل أخبارهم غير متصل بل منقطع ، بما فعل بهم بختنصّر . ثمّ وان لم ننازعهم في صحّة نقلهم ، ففي التوراة ألفاظ التأبيد كثيرة ، والمراد بها المبالغة في طول المدّة دون الدوام ، فمن ذلك قوله في العبد : « إنّه يستخدم ستّ سنين ثمّ يعتق في السابعة ، فإن أبى فليثقب أذنه ويستخدم أبدا » ، وقال في موضع آخر : « يستخدم خمسين سنة » . وقيل في البقرة التي أمروا بذبحها : يكون ذلك لكم سنّة أبدا وانقطع الشهيد به عندهم . وكذا أمروا في قصّة دم